وهبة الزحيلي

183

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

و أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما نزلت : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قال عمر : أي جمع يهزم ؟ أي جمع يغلب ؟ قال عمر : فلما كان يوم بدر رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يثب في الدرع ، وهو يقول : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ، وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فعرفت تأويلها يومئذ . ثم بيّن اللّه تعالى أن الأمر غير مقتصر على انهزامهم وإدبارهم ، بل الأمر أعظم منه ، فإن الساعة موعدهم ، وسيلقون في الآخرة عذابا أشد إن بقوا مصرين على الكفر ، فقال : بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ، وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ أي بل إن القيامة موعد عذابهم الأخروي ، وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر هو تمام ما وعدوا به من العذاب ، وإنما هو مقدمة من مقدماته ، وعذاب القيامة أعظم وأنكى ، وأشد مرارة من عذاب الدنيا ، كما أنه عذاب دائم خالد . قال الرازي : هذا قول أكثر المفسرين ، والظاهر أن الإنذار بالساعة لكل من تقدم ، كأنه قال : أهلكنا الذين كفروا من قبلك ، وأصرّوا ، وقوم محمد صلى اللّه عليه وسلم ليسوا بخير منهم ، فيصيبهم ما أصابهم إن أصروا ، ثم إن عذاب الدنيا ليس لإتمام المجازاة ، فإتمام المجازاة بالأليم الدائم « 1 » . ثم أخبر اللّه تعالى عن نوع العذاب الأخروي ، فقال : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ أي إن المشركين باللّه الذين كذبوا رسله وكل كافر ومبتدع كافر ببدعته من سائر الفرق في حيرة وتخبط في الدنيا وبعد عن الحق والصراط المستقيم ، وفي نيران مستعرة في جهنم يوم القيامة .

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 29 / 68